أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
189
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
المحكية بالقول ، وقرأ العامة من الأنباء ، والحسن « أنا آتيكم » مضارع « أتى » من الإتيان ، وهو قريب من معنى الأول . و « . . . الصِّدِّيقُ » بناء مبالغة كالشّرّيب . قوله : تَزْرَعُونَ . ظاهره أن هذا إخبار من يوسف - عليه السّلام - بذلك ، وقال الزمخشري : « تَزْرَعُونَ » خبر في معنى الأمر ، كقوله : تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ « 1 » وإنما خرج الأمر في صورة الخبر للمبالغة في إيجاب المأمور به ، فيجعل كأنه وجده ، فهو يخبر عنه والدليل على كونه في معنى الأمر قوله : « فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ » . قال الشيخ « 2 » : « ولا يدل الامر بتركه في سنبله على أن « تَزْرَعُونَ » في معنى : ازرعوا ، بل « تَزْرَعُونَ » ، إخبار غيب واما « فَذَرُوهُ » فهو أمر إشارة بما ينبغي أن يفعلوه » . قلت : هذا هو الظاهر ولا مدخل لأمره لهم بالزراعة ، لأنهم يزرعون على عادتهم أمرهم أو لم يأمرهم ، وإنما يحتاج إلى الأمر ، فيما لم يكن من عادة الإنسان أن يفعله كقوله : « فِي سُنْبُلِهِ » . قوله : دَأَباً قرأ حفص بفتح الهمز والباقون بسكونها ، وهما لغتان في مصدر « دأب يدأب » ، أي : داوم على الشيء ولازمه ، وهذا كما قالوا : ضأن وضأن ، ومعز ومعز بفتح العين وسكونها ، وفي انتصابه أوجه : أحدها : وهو قول سيبويه « 3 » : أنه منصوب بفعل مقدر تقديره : تدأبون دأبا . والثاني : - وهو قول أبي العباس - إنه منصوب ب « تَزْرَعُونَ » ، لأنه من معناه ، فهو من باب « قعد القرفصاء » وفيه نظر ، لأنه ليس نوعا خاصا به بخلاف « القرفصاء » مع « القعود » . والثالث : أنه مصدر واقع موقع الحال فيكون فيه الأوجه المعروفة ، إما المبالغة ، وإما وقوعه موقع الصفة ، وإما على حذف مضاف أي : دائبين أو ذوي دأب ، أو جعلهم نفس الدأب مبالغة ، وقد تقدم الكلام على الدأب في آل عمران « 4 » . قوله : فَما حَصَدْتُمْ يجوز في « ما » أن تكون شرطية أو موصولة ، وقرأ أبو عبد الرحمن « يأكلون » بالغيبة ، أي : الناس ، ويجوز أن يكون التفاتا . [ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 48 إلى 50 ] ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّا تُحْصِنُونَ ( 48 ) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ ( 49 ) وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جاءَهُ الرَّسُولُ قالَ ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ ( 50 )
--> ( 1 ) سورة الصف ، آية : ( 11 ) . ( 2 ) انظر البحر المحيط ( 5 / 315 ) . ( 3 ) انظر الكتاب ( 3 / 370 ) . ( 4 ) آية ، رقم ( 11 ) .